MarocDroit Scientific Platform


أرشيف وجهة نظر

خطاب العرش لسنة 2026: نحو ترسيخ الدولة التنموية وتعزيز السيادة الاستراتيجية

قراءة في توقف تحصيل رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية لدى قباض الخزينة بعد صدور القانون رقم 14.25: فراغ إجرائي يهدد بسقوط الديون بالتقادم.

الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027: قراءة في المرتكزات والرهانات

ألا يؤسس المحامون دولة داخل الدولة؟

المحاماة بالمغرب وسؤال الوجود، بين رسالة الدفاع وتغول التشريع

ملاحظات دستورية حول مواد التكوين المستمر في مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة - المواد 41-42-43 : تجعل "فئة مفترَض فيها الكمال، وفئة مفترَض فيها النقص”

قراءة في الجوانب غير الدستورية لقانون تنظيم مهنة المحاماة للأستاذ محمد الهيني محام بهيئة الرباط، قاض سابق، خبير في مجال العدالة وحقوق الإنسان

النظام الداخلي للبرلمان بعد الرقابة الدستورية: هل يؤدي الإخلال بمقتضياته إلى عدم دستورية القانون ؟ ملاحظات حول إجراءات إقرار القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة

مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة: حين يفتح المشرع الباب للأجانب ويُغلقه في وجه أبنائه المغاربة!

ملاحظات تقنية - قانونية حول مشروع القانون رقم 42.24 المتعلق بالأصول المشفرة



النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية: لازمة لاستكمال تنزيل الإدارة الترابية وورش الجهوية المتقدمة.

     



النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية: لازمة لاستكمال تنزيل الإدارة الترابية وورش الجهوية المتقدمة.

محمد اشنيفخ
دكتور متخصص في الوظيفة العمومية والتدبير الإداري

 
مقدمة
يعد إصلاح الإدارة الترابية من أبرز المداخل الكبرى التي تراهن عليها الدول الساعية إلى تحقيق التنمية المحلية وترسيخ مبدأ اللامركزية، إذ لا يكتمل بناء الجماعات الترابية بمجرد توسيع اختصاصاتها وتعزيز مواردها المالية، بل يستلزم ذلك توافر رأسمال بشري مؤهل، محكوم بمنظومة قانونية ناجعة قادرة على مواكبة تطور هذه الجماعات ومتطلباتها التدبيرية. وفي هذا الإطار، يأتي موضوع الوظيفة العمومية الترابية بالمغرب في صميم النقاشات الأكاديمية والسياسية المتعلقة بإصلاح الدولة، لا سيما في ظل ما يشهده المغرب من تحولات دستورية ومؤسساتية عميقة منذ دستور 2011.
فمنذ صدور ظهير 30 شتنبر 1976 الذي شكّل نقطة تحوّل في مسار اللامركزية بالمغرب، وما أفرزه من ضرورة إرساء هيئة إدارية جماعية خاصة، تكرست ملامح ما بات يُعرف بالوظيفة العمومية الجماعية، التي أُسست رسميًا بموجب المرسوم رقم 2.77.738 الصادر في 27 شتنبر 1977. غير أن هذا النظام الأساسي، رغم ما يحمله من قيمة تأسيسية، سرعان ما أبان عن محدوديته، إذ ظل رهينًا بإحالات متكررة على النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية للدولة الصادر بمقتضى ظهير 24 فبراير 1958، فضلًا عن تضييقه نطاق التطبيق ليقتصر على موظفي الجماعات الحضرية والقروية، متجاهلًا موظفي العمالات والأقاليم والجهات.
لقد جاء دستور 2011 ليكرس مسارًا طموحًا في طريق تحقيق الجهوية المتقدمة، تُرجم من خلال القوانين التنظيمية للجماعات الترابية الصادرة سنة 2015، والتي نصّت صراحةً على ضرورة إصدار قانون بمثابة نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية بكافة مستوياتها. وقد شكّل هذا التنصيص القانوني استجابةً طبيعية لإخفاقات الوضع السابق، وتعبيرًا عن إرادة في بناء وظيفة عمومية ترابية مستقلة، تقوم على مبدأ التدبير الحر وفق ما نصّ عليه الفصل 136 من الدستور. بيد أن مرور أكثر من عقد على صدور هذه القوانين التنظيمية دون أن يرى هذا القانون النور، يكشف بجلاء عن عمق الأزمة البنيوية لمنظومة تبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية.
تتجلى أهمية هذا الموضوع في أبعاد متكاملة؛ فمن الناحية القانونية يطرح مسألة طبيعة العلاقة بين الوظيفة العمومية الترابية والوظيفة العمومية للدولة، ومدى قدرة النظام الأساسي المرتقب على تجاوز فلسفة المماثلة التي أفرغت الاستقلالية الترابية من مضمونها. ومن الناحية التدبيرية تبرز إشكاليات التوظيف والترقي والتكوين والحركية، وما خلّفته من عجز واضح في سياسات الموارد البشرية بالجماعات. أما من الناحية السياسية فيبقى التساؤل قائمًا حول مدى الإرادة الحقيقية لإصلاح هذا القطاع في ظل تجاذبات النقابات المهنية واعتبارات الميزانية العامة للدولة.
وفي ضوء ما سبق، تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذا المقال حول التساؤل الجوهري الآتي: إلى أيّ حدٍّ استطاع النظام القانوني المؤطِّر للوظيفة العمومية بالجماعات الترابية المغربية، في مساره التاريخي الممتد منذ 1977 إلى اليوم، أن يُفرز وظيفةً عموميةً ترابيةً مستقلة قادرة على الاضطلاع بمتطلبات التنمية المحلية، أم أن التبعية القانونية والمؤسسية للدولة المركزية جعلت من هذه الوظيفة مجرد امتداد هامشي للوظيفة العمومية للدولة، يفتقر إلى الرؤية والخصوصية الكافيتين لإنجاح ورش اللامركزية؟
للإجابة على هذه الإشكالية، سنتناول في مطلب أول النظام الأساسي لموظفي الجماعات بوصفه الإطار التأسيسي الذي أرسى الهوية الأولى لهذه الوظيفة وكشف عن حدودها البنيوية، ثم نتوقف في مطلب ثانٍ عند مسار الانتقال نحو وظيفة عمومية ترابية شاملة في ضوء المستجدات الدستورية والتشريعية، مع استجلاء التحديات الكبرى التي تعترض تنزيل هذا المشروع الإصلاحي الطموح.
 
المطلب الأول: النظام الأساسي لموظفي الجماعات: من التأسيس إلى تكريس الأزمة
لا يمكن استيعاب الأزمة البنيوية التي تعتري الوظيفة العمومية بالجماعات الترابية دون العودة إلى نظامها الأساسي الذي يُعدّ اللبنة التأسيسية لهذه التجربة، إذ رغم ما حمله صدوره سنة 1977 من دلالة رمزية في سياق ورش اللامركزية الناشئ وما حمله من خصوصيات تجعله يختلف عن بقية الأنظمة الأساسية الأخرى المؤطرة لموظفي الدولة (فرع أول)، إلا أ، هذه الخصوصية سرعان ما أفرغت من مضمونها أمام الإحالات المتكررة على ظهير 24 فبراير 1958 وما كشفت عنه الممارسة من محدودية صارخة في الإحاطة بتعقيدات التدبير الإداري للموارد البشرية الجماعية (فرع ثان).
الفرع الأول: خصوصية النظام الأساسي لموظفي الجماعات
عرف المغرب منذ حصوله على الاستقلال مسارا تدريجيا في إرساء نظام اللامركزية، غير أن هذا المسار ظل في بداياته محدود الأثر بسبب هيمنة السلطة المركزية وضعف الإمكانيات المتاحة للجماعات الترابية، سواء على مستوى الاختصاصات أو الموارد البشرية، وهو ما جعلها عاجزة عن الاضطلاع بدور تنموي فعلي. وفي هذا السياق جاء ظهير 30 شتنبر 1976 ليشكل نقطة تحول أساسية، حيث أعاد تنظيم الجماعات الترابية ومنحها اختصاصات أوسع في مجالات متعددة، كالتهيئة الحضرية وتدبير المرافق العمومية المحلية والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما عزز مكانة المجالس الجماعية ورؤسائها، مما عكس توجها نحو تكريس نوع من الاستقلالية في تدبير الشأن المحلي.
غير أن هذا التحول المؤسساتي، رغم أهميته، لم يكن كافيا لوحده لتحقيق اللامركزية الفعلية، ذلك أن نقل الاختصاصات دون توفير الوسائل البشرية القادرة على ممارستها يظل إجراء شكليا أكثر منه عمليا. ومن هنا تبرز أهمية المقتضى الذي جاء به ظهير 1976 في مادته 48، والذي نص على إحداث هيئة خاصة بموظفي الجماعات، في إشارة واضحة إلى وعي المشرع بضرورة إرساء جهاز إداري جماعي مستقل ومؤهل، قادر على مواكبة التحولات الجديدة. فهذا التنصيص لم يكن مجرد تفصيل تقني، بل يعكس تحولا في تصور الوظيفة العمومية المحلية، باعتبارها ركيزة أساسية لإنجاح مشروع اللامركزية.
في هذا الإطار، جاء المرسوم رقم 2.77.738 بتاريخ 27 شتنبر 1977 بمثابة النظام الأساسي لموظفي الجماعات، ليترجم هذا التوجه على أرض الواقع، حيث أرسى نظاما أساسيا خاصا بموظفي الجماعات، محددا بذلك وضعيتهم القانونية وتنظيم مسارهم المهني. وقد شكل خطوة نوعية في طريق منح أكبر قدر من الاستقلالية لهيئة موظفي الجماعات عن الهيئات الأخرى للدولة، إذ لم يعد هؤلاء مجرد ملحقين تابعين للإدارة المركزية، بل لهم هويتهم الخاصة. ومن خلال هذا التنظيم، تم الانتقال من وضعية التبعية إلى نوع من التميز الإداري، وهو ما ينسجم مع فلسفة اللامركزية التي تقوم على تمكين الجماعات من تدبير شؤونها بنفسها، وإن تم هذا الأمر في حده الأدنى.
إن قراءة متأنية لفصول النظام الأساسي لموظفي الجماعات، تبين أن هذا المرسوم لا يشبه بقية الأنظمة الأساسية الخاصة بموظفي الدولة، وإن صدر في شكل نص تنظيمي، ذلك أنه يماثل في هيكلته وتبويبه ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، مما يوحي للوهلة الأولى بأنه أكبر من مجرد نص تطبيقي لهذا الأخير، وبكونه يؤسس لوظيفة عمومية موازية، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الكثير من فصوله تتعلق بالركائز الأساسية التي يمكن من خلالها بلورة تصور الوظيفة العمومية الجماعية، ومرجعيتها المؤطرة.
لقد أشر صدور النظام الأساسي لموظفي الجماعات على ظهور مفهوم الموظف الجماعي (الفصل 1)، كما أكد على الطبيعة النظامية والقانونية لعلاقة هذا الأخير بالجماعة (الفصل 2)، وكذا نطاق التطبيق (الفصل 3) وطريقة التعيين (الفصل 7)، وهي مقتضيات وإن نسخت نظيرتها في ظهير 24 فبراير 1958 واستلهمت منها روحها، لكنها مهمة من زاوية كونها تضع التصور العام الذي يلزم أن يؤطر طبيعة الوظيفة العمومية الترابية المستقبلية، بحيث تقوم على مبدأي النظامية ونظام المسار المهني، وتعتمد المباراة كآلية للتوظيف، مع الانفتاح على المؤقتين والعرضيين، كخيار يهدف إلى الاستجابة لطبيعة وظائف الجماعات، خاصة إبان الحقبة الزمنية التي صدر فيها هذا النظام الأساسي، علما أن الإبقاء على هذه الفئة من الأعوان العموميين أضحى يطرح العديد من الإشكاليات القانونية والتدبيرية، وكذا ما يتعلق بالاستغلال السياسي، إضافة إلى تكريسه للعمل الهش في الوظيفة العمومية الجماعية.
توحي هذه المقتضيات بوجود خيار حكومي لا يقبل النقاش بخصوص علاقة الوظيفة العمومية الجماعية بالوظيفة العمومية للدولة، بحيث تم الحسم في إرساء مبدإ المماثلة بين موظفي الدولة وموظفي الجماعات، والذي لا تقتصر تجلياته في طبيعة الوضعية القانونية، بل تمتد لتمتيع هؤلاء الموظفين بنفس الحقوق (لا يمكن المس بها إلا بمقتضى قانون طبقا للفصل 71 من دستور 2011)، وتمكينهم من نفس فرص التطور في مسارهم المهني أسوة بنظرائهم موظفي الدولة، وهو ما يفسر الإحالات المتكررة على ظهير 24 فبراير 1958 ونصوصه التطبيقية.
لكن هذا لا يجب أبدا أن يفسر بوجود رؤية واضحة بخصوص هذه الوظيفة العمومية الجماعية، على الأقل في علاقتها بالوظيفة العمومية للدولة، بل إن العكس هو الحاصل والذي استمر لوقتنا الحاضر، بحيث أن غياب مبادئ تأسيسية أثر سلبيا بشكل واضح على بلورة إصلاحات متعاقبة تغني مضامين النظام الأساسي لموظفي الجماعات، وبالتالي تعبيد الطريق أمام بناء صرح الوظيفة العمومية الترابية المستقبلية، فوجوده لم يلغي وضعية التبعية للدولة المركزية في كل التفاصيل المتعلقة بالمنظومة القانونية والتدبيرية المؤطرة للحياة المهنية لموظفي الجماعات، وبالتالي ظلت هذه التجربة فقيرة وجامدة ما دام أنها لم تتجاوز مربع الانطلاق الأول.
ولتوضيح هذا الأمر، يكفي العودة للتجربة الفرنسية، بحيث نجد أن الوظيفة العمومية الترابية، والتي هي ابنة اللامركزية كما هو الشأن بالنسبة للمغرب، ترتكز على ثلاث مبادئ: الوحدة (L'unité) والتي تترجم من خلال تطبيق نفس نظام المسار المهني بالنسبة لكل الموظفين الترابيين بغض النظر عن الحماعة الترابية التي يقع فيها التعيين، ومبدأ التقارب (La comparabilité) مع الوظيفة العمومية للدولة، والذي يشجع الحركية المتبادلة للأعوان في الوظائف المتماثلة مع أجور متساوية، وأخيرا مبدأ الخصوصية والذي يترتب عن التدبير الحر للجماعات الترابية، إذ يقوم منتخبوا كل جماعة بتدبير المسارات المهنية لأعوانهم في إطار النظام العام.[[1]]
لكن بالرغم من ذلك، فإن الأمل كان معقودا على هذا النظام الأساسي لأجل أن يشكل اللبنة الأولى لبناء وظيفة ترابية تعكس وتواكب تطور ورش اللامركزية في المغرب، بالنظر لصدوره في وقت كانت فيه هذه التجربة تخطو خطواتها الأولى بكل صعوباتها وإكرهاتها، لكن يبدو أن الحلم كان مبالغا فيه بالنظر للنتائج التي حققت طوال هذه السنوات، والتي جعلته عنوانا لأزمة عميقة تعانيها منظومة تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية.
الفرع الثاني: تمظهرات محدودية النظام الأساسي للجماعات
صحيح أن النظام الأساسي لموظفي الجماعات قد صدر في شكل مرسوم، وبالتالي فهو من الناحية القانونية أقل قوة من ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، لكن تنصيصه على مقتضيات تتعلق بتعريف موظف الجماعة، والطبيعة النظامية والقانونية لعلاقة الموظف بالجماعة والاستعانة بالأعوان المؤقتين والعرضيين، قد يعطي انطباعا أننا أمام نص مختلف، له طابع تأسيسي للوظيفة العمومية الجماعية (على الأقل) متميزة وموازية للوظيفة العمومية للدولة، كما يوحي بوجود رغبة حكومية في جعل هذا النظام الأساسي مطبوعا بخاصيتي التميز والاستقلالية. إلا أن قراءة متأنية للفصول تؤكد أننا أمام نص تنظيمي عاد، والذي تؤكده الإحالات المتكررة على ظهير 24 فبراير 1958ونصوصه التطبيقية، فيما يتعلق بتدبير المسار المهني للموظف الجماعي (التعيين والأجور والعقوبات التأديبية)، مما يحد من أي قراءة موسعة من هذا القبيل، إذ يقتصر جانب التميز أساسا على سلطة التعيين التي تعود لرئيس المجلس الجماعي.
إن هذه الإحالات المتكررة، جعلت من النظام الأساسي لموظفي الجماعات لا يختلف في شيئ عن الأنظمة الأساسية الخاصة بمختلف فئات موظفي الدولة، ونقصد هنا تلك المنصوص عليها في الفصل 5 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، والذي ينص على أنه "لتطبيق أحكام هذا النظام الأساسي العام، تصدر مراسيم بمثابة أنظمة أساسية حاصة بهيئات الموظفين الممارسين لنفس المهام أو مهام مماثلة، أو عند الاقتضاء، أنظمة أساسية تفرضها خصوصيات بعض القطاعات الوزارية"، بمعنى أن تصنيفه لا يمكن أن يخرج من خانة الأنظمة الأساسية التطبيقية، كما هو الشأن بالنسبة للأنظمة الأساسية المشتركة بين الوزارات الخاصة بالمتصرفين والتقنيين والمحررين وغيرهم.
لقد ترتب عن هذه التبعية لظهير 24 فبراير 1958 ونصوصه التطبيقية آثار سلبية على تطوير مقاربة التدبير في الجماعات، بحيث لم تراكم هذه الأخيرة منظومة قانونية وعرفية خاصة بها على مستوى تدبير شؤون موظفيها في الجانب الإداري على الأقل، والتي تتناسب مع خصوصياتها وإشكالياتها التدبيرية اليومية. فقد ظلت الجماعات غير قادرة على الخروج من عباءة الوظيفة العمومية للدولة ووصاية وزارة الداخلية[[2]] ، وبالتالي فلا ضير أن يكون الجانب المتعلق بتدبير الموارد البشرية بالجماعات أحد أبرز وجوه قصور تجربة اللامركزية في المغرب، ينضاف هذا الأمر إلى أسباب أخرى عمق أكثر هذه الأزمة، وتتعلق بالخصاص على مستوى الأعداد والكفاءات، وكذا طغيان الحسابات السياسية والاجتماعية في عمليات التوظيف.
قد يبدو المعطى أعلاه مفسرا لقلة عدد الفصول التي يتضمنها هذا النظام الأساسي، ما دام أنه مجرد نص يعيد التنصيص على نصوص ومقتضيات الوظيفة العمومية للدولة، لكن هذا الأمر جعل منه مجرد نص صوري ومحدودا، بحيث ظل عاجزا عن الإحاطة بكل التعقيدات القانونية والتدبيرية التي تنطوي عليها الممارسة العملية ذات الصلة بالتدبير الإداري لهؤلاء الموظفين، خاصة وأنهم يتنوعون من حيث فئاتهم وانتمائهم الجغرافي.
مع العلم أن المنظومة القانونية المؤطرة للوظيفة العمومية للدولة تعكس بدورها أزمة بنيوية وعميقة تعاني منها مقاربة تدبير الموارد البشرية بالإدارات العمومية، بحيث تظل جامدة ومتقادمة، فظهير 24 فبراير 1958 مثلا باعتباره النص الأهم ضمن هذه المنظومة ظل محافظا على ركائزه بل وتفاصيل كثيرة تخص المسار المهني للموظفين منذ وقت صدوره دون أن يطرأ عليها أي تغيير، كما لم يخضع إلا لتغييرات وتحيينات محدودة، بالرغم من تعاظم حجم تحديات وتغيرات محيط الإدارة العمومية، وتغير سياقات وبارديكمات التدبير الخاصة بالعنصر البشري[[3]]
لكن تبقى أهم مظاهر القصور التي تعتري النظام الأساسي لموظفي الجماعات، أنه مجال تطبيقه لا ينسحب على كافة موظفي الجماعات الترابية، ونقصد هنا هؤلاء الذين ينتمون للعمالات والأقاليم والجهات، فبالرغم من مرور كل هذه السنوات على صدوره، إلا أنه لم يعرف أي تغيير في هذا الاتجاه، بالرغم من كون الاعتراف الدستوري بالعمالات والأقاليم كجماعات ترابية يعود يعود لدستور 1962، في حين نص دستور 1992 على الجهات كوحدات ترابية.
لقد ظلت وضعية موظفي مجالس العمالات ومجالس الجهات باعتبارها جماعات ترابية ملتبسة، بحيث أنهم على مستوى انتمائهم يظلون محسوبين على موظفي الدولة بحكم انتمائهم للأنظمة الأساسية للدولة (كما هو الشأن بالنسبة لمتصرفي وزارة الداخلية وموظفي الهيئات المشتركة)، لكن في المقابل يتم تدبير وضعيتهم المهنية من قبل هذه المجالس (علما أنهم ظلوا لوقت طويل تابعين فيما يخص وضعيتهم الإدارية للعمال والولاة)[[4]] ، بل إن مناصبهم المالية يتم توطينها ضمن ميزانية هذه مجالس العمالات ومجالس الجهات، مع العلم أن انتقال هؤلاء الموظفين من الميزانية العامة للدولة لميزانيات هذه الجماعات الترابية يشوبه الكثير من الغموض القانوني، في ظل غياب نصوص قانونية واضحة ومفصلة لهذه المسطرة.
لا يعارض أحد في كون النظام الأساسي لموظفي الجماعات يعد خطوة إيجابية إبان صدوره، لكنه مع مرور الوقت أضحى تجسيدا وعنوانا لمعضلة التدبير القانوني والإداري للموارد البشرية بالجماعات، بل ومؤشرا معبرا عن أزمة ورش اللامركزية ككل، ما دام أنه لا يتصور وجود جماعات ترابية باختصاصات حقيقية دون وجود تحكم كامل في الموارد البشرية أساسه اختصاصات حقيقية تمكن هذا الجماعات بالقيام بأدوراها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وسياسة القرب.
كان من الممكن أن يشكل النظام الأساسي لموظفي الجماعات بداية لتأسيس النواة الأولى لوظيفة عمومية ترابية مستقبلية، خاصة مع تراكم تجارب سنوات الممارسة، والذي كان من المفترض أن يغني هذا النص من حيث المقتضيات القانونية التي توجد حلولا لإشكاليات التدبير اليومية بعيدا عن الوظيفة العمومية للدولة، لكن يبدو الجمود ظل مواكبا لهذا النص التنظيمي، ولم يراكم لهذه الجماعات تجربة تدبيرية يمكن البناء عليها لأي إصلاح أكثر شمولية وعمقا.
المطلب الثاني: من الوظيفة العمومية الجماعية إلى الوظيفة العمومية الترابية
إذا كان النظام الأساسي لموظفي الجماعات قد جسّد في صيغته التنظيمية قد ظل محدودا وغير قادر على مواكبة تطور اللامركزية في المغرب، فإن دستور 2011 وما أفرزه من قوانين تنظيمية للجماعات الترابية قد فتح أفقًا جديدًا عبر التنصيص الصريح على إصدار قانون ينظم هذه الوظيفة في أعلى درجات التشريع، مما يُعبّر نظريًا عن انتقال نوعي من فلسفة التبعية إلى فلسفة التدبير الحر. غير أن تأخر إخراج هذا القانون لأكثر من عقد يطرح بإلحاح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحديات الموضوعية والسياسية التي تعترض مسار تنزيله، مما يستوجب استجلاء آفاق هذا المشروع الإصلاحي (فرع أول)، والوقوف بشكل نقدي عند العوائق التي تحول دون تحقيقه على الوجه المأمول (فرع ثان).
الفرع الأول: أفاق تنزيل الوظيفة العمومية الترابية
نصت الفقرة الرابعة من الفصل الأول من دستور 2011، على اعتبار التنظيم الترابي للمملكة تنظيما لامركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة، وتتويجا لهذا الإصلاح الهيكيلي، خرجت لحيز الوجود القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، والتي نصت على إصدار نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، يحدد بقانون (المادة 127 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات والمادة 121 من القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم والمادة 129 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات).
ويمثل هذا المستجد تغييرا جوهريا في خصائص البناء النظامي للوظيفة العمومية المغربية، كون صدور قانون ينظم موظفي الجماعات الترابية، من المفترض أن يعبد الطريق نحو استقلالية هذه الفئة بمنظومتها القانونية والمؤسساتية عن الوظيفة العمومية للدولة، ويجعلها قادرة على إرساء نموذج خاص بها يراعي خصوصياتها وإكراهاتها، ويمكن رؤساء هذه الجماعات الترابية من الخروج من دائرة التنفيذ إلى دائرة وضع السياسات المتعلقة بتدبير مواردهم البشرية.
من الزاوية القانونية الصرفة يمثل الارتقاء بالنظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية لدرجة قانون، تغييرا جذريا يمكن الاستدلال به على نضج تجربة اللامركزية بالمغرب، كونها لم تعد في حاجة لمظلة ووصاية السلطة المركزية على الأقل في جانب تدبير مواردها البشرية كما هو حاصل حاليا، وعلى أنها جاهزة للانتقال لمرحلة جديدة أساسها تنزيل مبدأ التدبير الحر، كما نص عليه الفصل 136 من دستور 2011، والذي أشار إلى كون التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر وعلى التضامن...، كما أن كون مقتضيات هذا القانون ستنسحب على كافة الجماعات الترابية، جماعات وجهات وعمالات وأقاليم، يجعل منه نصا شاملا يضع الوظيفة العمومية الترابية موضع تنزيل لأول مرة في تاريخ المغرب.
طبقا للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، فإن النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، سيحدد على وجه الخصوص "حقوق وواجبات هؤلاء وكذا والقواعد المطبقة على وضعيتهم النظامية ونظام أجورهم، على غرار ما هو معمول به في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية"، والملاحظ أن هذا المقتضى لم يشر إلى ما يفيد أن تكون هذه المضامين مماثلة لتلك الموجودة في الترسانة القانونية للوظيفة العمومية للدولة، بل أكد على مراعاة خصوصيات الوظائف بهذه الجماعات الترابية، وهو ما يفيد أننا بصدد التوفر على وظيفة عمومية ثنائية، إذا ما تم إعمال التنزيل السليم للمواد القانونية ذات الصلة.
إن فكرة الثنائية هذه تقودنا مرة أخرى لاستذكار الوظيفة العمومية الفرنسية، والتي طالما اعتبرت النموذج الذي يستلهم منه المغرب مشاريع الإصلاح، إذ وإن كانت التجربتان تشتركان في إحداث وظيفة عمومية ترابية إلى جانب الوظيفة العمومية للدولة، فإن النظام العام للموظفين بفرنسا يتشكل من أربعة قوانين أساسية، وكل قانون يمثل عنوانا لنظام عام (Un statut général)، حيث ينضاف القانونين السابقين إلى كل من قانون بمثابة حقوق وواجبات الموظفين، ثم قانون أخير بمثابة الوظيفة العمومية الصحية، لتؤسس هذه القوانين الأربعة البناء النظامي للوظيفة العمومية الفرنسية[[5]].
كون النظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية سيصدر في شكل قانون، فإن هذا الأمر يتيح الفرصة ليس فقط لتأسيس وظيفة عمومية موازية للوظيفة العمومية للدولة، لكن أيضا لتدارك النقائص العديدة التي تعتري المنظومة القانونية لهذه الأخيرة، ونقصد هنا خصوصا ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، إذ لم ظلت العديد من المواضيع والقضايا خارج أي تأطير أو أنه تطرق إليها بتبخيس كبير، كما هو الشأن بالنسبة لعدد من الحقوق (الحق في الإضراب والحق في التكوين...)، والواجبات (واجب التحفظ المهني وواجب السر المهني...)، وكذا ما يتعلق بالمسطرة التأديبية والوضعيات النظامية والآليات الحديثة لتدبير الموارد البشرية كالحركية التي تعد مفتاح نجاح أي سياسة للموارد البشرية بالجماعات الترابية.
إن من شأن هذا القانون أن يفتح الباب أمام إيجاد حلول لعدد من المعضلات التي تثقل سياسة تدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية، خاصة ما يتعلق بوضعية المؤقتين والعرضيين، وضعف منظومتي التحفيز والتكوين، والتي كرست واقعا محبطا أثر بشكل مباشر على المردودية داخل الجماعات بالخصوص، كما يمكن أن يساهم في ابتكار حلول تتناسب مع واقع هذه الجماعات الترابية، خاصة تلك المتعلقة بتصنيف الوظائف[[6]] .
علاقة بتصنيف الوظائف، يمكن أن يمثل إصدار القانون بمثابة نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية فرصة لإرساء هيكلة نظامية مغايرة لتلك الموجودة في الوظيفة العمومية للدولة، والتي أفضت لوجود هيئات وأطر بعيدا عن أي منطق تدبيري مرتبط بالوظائف بل كرست طابع الفئوية ومنظومة تدبير غير متجانسة.
فالتحدي بالنسبة للوظيفة العمومية الترابية هو اعتماد مقاربة المهنة، والتي تنطوي على إيجابيات متعددة أهمها توفير إطار أكثر تعبيرا عن الوظائف الحقيقية للموظفين، وتأمين أفضل حالة من الانسجام بين حاجيات الإدارة وكفاءات موظفيها، وكذا تثمين الموارد البشرية الناتج عن الاعتراف بكفاءة هذه الموارد ومستوى تخصصها، كما أن هذه المقاربة لا تتطلب من المسؤولين عن الموارد البشرية الاكتفاء فقط بتحديد المهن الموجودة، ولكن أيضا توقع التطورات التي ستعرفها هذه المهن. إنه مسلسل يقود حتما إلى إيلاء أهمية أكبر لمفهومي الوظيفة والكفاءة، وبالتالي أخذهما بعين الاعتبار عند اتخاذ مختلف التدابير المتعلقة بمكونات مراحل المسار المهني للموظف: التوظيف، التكوين المستمر، الحركية...
في الجانب المؤسساتي لتدبير الموارد البشرية بالجماعات الترابية، نصت القوانين التنظيمية السالفة الذكر على إحداث إدارة خاصة بكل جماعة وكل عمالة أو إقليم وكل جهة (المواد 126 و 117 و 123 على التوالي)، يحدد تنظيمها واختصاصاتها بقرار لرئيس الجماعة الترابية المعنية بعد مدولة المجلس، والذي يخول له أيضا التعيين في جميع المناصب بالجماعة الترابية التي يرأسها، باستثناء قرارات التعيين المتعلقة بالمناصب العليا بها تخضع لتأشيرة السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.
الفرع الثاني: تحديات إصدار النظام الأساسي الخاص بإدارة موظفي الجماعات الترابية
لقد مضى أكثر من عقد من الزمن على صدور القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، دون أي يخرج القانون بمثابة نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، وهو ما يؤكد صعوبة إخراج هذا النص القانوني إلى حيز التنفيذ، بالرغم من أهميته في إنجاح ورش اللامركزية وتمكين رؤساء الجماعات الترابية من ممارسة الاختصاصات الواسعة المفوضة لهم بمقتضى هذه القوانين التنظيمية، كما أن هذا التأخير حرم لا محالة الجماعات الترابية من حيز زمني مهم تحتاجه لتطوير تجربتها وكفاءتها في تدبير مواردها البشرية وفق سياق جديد، وتوطين أعراف وتقاليد تدبيرية خاصة بها تتلاءم مع خصوصية واقعها.
إن هذا التعثر يكشف عن وجود أزمة عميقة للوظيفة العمومية بالجماعات الترابية، ويتعلق بغياب رؤية واضحة حول ماهيتها وشكلها، فإقرار قانون بمثابة نظام أساسي خاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية ضمن القوانين التنظيمية للجماعات الترابية لم يتجاوز خانة صياغة العنوان، إذ لم يكن لدى الحكومة تصور متكامل لكيفية إخراجه لحيز التنفيذ، بل كان الأهم إعطاء مؤشر على تبني مرحلة جديدة في ورش تنزيل اللامركزية بالمغرب.
إن الحسم في خطوة إصدار هذا النظام الأساسي يتطلب بداية تحديد نقاط التماثل والتمايز بينه وبين ظهير 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فهي عملية حاسمة في بلورة تصور الوظيفة العمومية الترابية، وهذا ما يتطلب تحديد سقف ومساحة الخصوصية التي ستتجسد في فصوله. إذ أن الأمر لا يتعلق فقط بعملية انتقال من نظام أساسي صادر بمقتضى مرسوم إلى نظام أساسي في شكل قانون، دون أي تغيير على مستوى المضمون، وإلا فإننا سنكون بصدد تغيير شكلي يبقي في جوهره على فلسفة المرسوم الحالي الصادر في 27 شتنبر 1977. إن هذا الأمر يعني استمرار خضوع موظفي الجماعات الترابية للمنظومة القانونية للوظيفة العمومية للدولة بشكل شبه كامل، وهو ما يفرغ القوانين التنظيمية للجماعات الترابية من روحها.
إن تخوف إخراج نظام أساسي شبه مطابق لظهير 24 فبراير 1958 لا يتعلق فقط بتصادمه مع التنزيل السليم للقوانين التنظيمية، بل أيضا بكونه سينقل نقائص وأعطاب الوظيفة العمومية للدولة، وهي كثيرة ومزمنة، وأعتقد أن وزارة الداخلية باعتبارها السلطة الحكومية المتحكمة في إعداد مشروع القانون، ستكون متحمسة لصياغة هذا النص وفق مقاربة حديثة ومضمون جديد، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الطبيعة المحافظة للوزارة، وميلها لنقل المقترحات والحلول المجربة والجاهزة.
إن سلوك هذا الخيار يجعل الآفاق المرجوة من هذا النظام الأساسي محدودة، لكون الوظيفة العمومية للدولة لا تتوفر على الكثير من نقاط القوة والتميز التي تجعلها تقدم قدوة للاقتداء من طرف الوظيفة العمومية الترابية، بل إن النتيجة ستكون تعميق أزمة الجماعات الترابية، في ظل ما تعيشه أغلبها من واقع تدبيري ومالي صعب يجعل هامش التدارك محدودا، إذ أن أزمة تدبير الموارد البشرية بها أعمق من النص القانوني ومدى جودة مقتضياته.
إن هذا التشاؤم بخصوص الصيغة النهائية المحتملة للنظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، لا يشمل فقط جانب تكريس التبعية القانونية للوظيفة العمومية للدولة، بل يمتد أيضا للإطار المؤسساتي، إذ من المستبعد أن تحدث لدى الجماعات الترابية هيئات ومجالس خاصة بها تتكلف بمهام تدبير الموارد البشرية، كما هو حاصل في فرنسا، إذ تتوفر الوظيفة العمومية الترابية على هيئات للتدبير، وهي مؤسسات عمومية محلية ذات طابع إداري، من بين مهامها تنظيم المباريات وامتحانات الكفاءة المهنية، بالإضافة إلى المركز الوطني للوظيفة العمومية الترابية، والذي من أهم مهامه تأمين التكوين لفائدة الأعوان العاملين بالجماعات الترابية، كما تستقل هذه الأخيرة بهيئاتها الاستشارية، ونقصد هنا المجلس الأعلى للوظيفة العمومية الترابية، واللجان الإدارية المتساوية الأعضاء وكذا اللجان التقنية المتساوية الأعضاء...
إن تحديات صدور النظام الأساسي الخاص بموظفي الجماعات الترابية لا تقتصر فقط على التنزيل السليم لمتطلبات الجهوية المتقدمة، بل ترتبط أيضا بصعوبة التوافق مع النقابات المهنية، إذ أن تراكم المطالب وتفاقم تعقيدات التدبير لسنوات طويلة، يجعل من لحظة صدور هذا النظام الأساسي الفرصة المواتية للتأكيد على وجوب حلها قبل التوقيع مع الحكومة على أي محضر اتفاق أو على الأقل القبول بالدخول في جولات التفاوض. ولعل لجوء هذه النقابات لتصعيد أشكالها الاحتجاجية في السنوات الأخيرة مرتبط بسياق إعداد هذا القانون، حيث يطالب موظفوا الجماعات الترابية بإصلاح حقيقي لوضعيتهم.
إن من شأن حصر النقاش في المطالب المادية (وهو دور النقابات ولا تلام عليه)، تهميش القضايا الكبرى الأخرى، والتي تعتبر محددة لمستقبل المرافق الترابية وقدرتها على الاضطلاع بالمهام الموسعة التي تقوم بها، لذلك يتوجب إعطاء النظام الأساسي حمولته التدبيرية، من خلال إرساء تدبير يقوم على النجاعة والكفاءة، وهو ما يتطلب جعل الحركية والتقييم والتدبير التوقعي والتكوين المستمر...في صلب النقاشات وجولات الحوار بخصوص هذا النظام الأساسي.
لكن وجب الإقرار أن الجماعات الترابية غير قادرة لوحدها على الاستجابة لعدد من المطالب الفئوية لمطالبها، والتي تصب في خانة إرساء منظومة أجور عادلة ومسار ترقي محفز أو على الأقل مساواتهم في هذه الحقوق بموظفي الدولة، بما يضمن رفع شعور الدونية الذي يلازمهم، لذلك لابد من تدخل الدولة من خلال الميزانية العامة لتغطية التكلفة المالية اللازمة لفتح الباب أمام إنجاح إخراج النظام الأساسي، لكونه الخطوة الأهم لبناء الوظيفة العمومية الترابية وفق مقاربة متدرجة ومدروسة. 
 
 
 

[[1]] _ Olivier Dord, Droit de la fonction publique, 2e édition, 2012, Presses Universitaires de France, p. 86.
[[2]]  _ تتجلى تبعية الجماعات للدولة في تدبير مواردها البشرية ليس فقط من خلال الإحالة على ظهير 24 فبراير 1958 ونصوصه التطبيقية، بل من خلال القرارات والمنشورات التي يصدرها وزير الداخلية، والتي تؤطر كل التفاصيل المتعلقة بمساطر التدبير، راجع بهذا الخصوص مثلا تلك المتعلقة بالتعيين في المناصب العليا بإدارات الجماعات الترابية.
[[3]]  _ راجع بهذا الخصوص:
- محمد اشنيفخ، النظام الأساسي للوظيفة العمومية: أزمة النموذج الفرنسي وغياب المراجعة الشاملة، منشورات المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد الخاص رقم: 42، 2025، ص. 109.
[[4]] _ في هذا السياق نشير إلى مراسلة وزير الداخلية إلى السيد والي والي جهة الرباط-سلا-القنيطرة رقم 691 بتاريخ 4 أبريل 2016، والتي ورد فيها أن تدبير شؤون الموظفين العاملين بالجماعات الترابية أصبح من من اختصاص رؤساء مجالس الجماعات الترابية، ويشمل هذا الاختصاص جميع أصناف الموظفين الخاضعين لمختلف الأنظمة الأساسية المشتركة، وذلك من التوظيف إلى التقاعد كما يشمل هذا الاختصاص التعيين في المناصب العليا، خاصة منها مناصب المدير العام للمصالح ومدير شؤون الرئاسة والمجلس والمكلفين بالمهام والمستشارين ورؤساء الأقسام ورؤساء المصالح، علما أن هذه التعيينات تبقى خاضعة لتأشيرة السيد وزير الداخلية.
[[5]]  _ هذه القوانين هي:
- القانون رقم 83-634 بتاريخ 13 يوليوز 1983 بمثابة حقوق وواجبات الموظفين؛
- القانون رقم 84-16 بتاريخ 11 يناير 1984 بمثابة المقتضيات النظامية المتعلقة بالوظيفة العمومية للدولة؛
- القانون رقم 84-53 بتاريخ 26 يناير 1984 بمثابة المقتضيات النظامية المتعلقة بالوظيفة العمومية الترابية؛
- القانون رقم 86-33 بتاريخ 9 يناير 1986 بمثابة المقتضيات النظامية المتعلقة بالوظيفة العمومية الصحية.
[[6]]  _ يقع تصنيف الوظائف في قلب مسلسل تدبير الموارد البشرية، إذ يمكن كل منظمة من توضيح الأدوار والمسؤوليات، وموضعة المنصب داخل التنظيم، وتحديد الحاجيات على مستوى التكوين وتوضيح قرارات التوظيف والحركية.
إن التصنيف في غايته يروم تحقيق العدالة على مستوى هيكلة الموارد البشرية لأنه يمكن من تبرير سياسة الأجور وتدبير المسار المهني.
 



الاثنين 3 أغسطس 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter